الثورة التي لم تأتِ … بعد

ما أشعله الـ“بوعزيزي” لم يكن مجرد جسد من لحم ودم، كما لم يكن مجرد عقول وقلوب التونسيين، بل أشعل الأمل. أعطى حياة لشعلة خافتة منزوية في قلوب جميع المظلومين من العرب. وكانت تلك البداية. جمرة رُميَتْ على جبل من القش، فهبّت ألسنة النار في المكان كلّه. الجميع أمسى متحمساً لمجرد إحتمال تحقيق غد أفضل.

لن أطيل الكلام عن الربيع العربي، فالجميع في هذه المرحلة على علم كاف بما حصل ويحصل. ما أريد التكلّم عنه خصيصًاً هو “مناعتنا” ، نحن اللبنانيين ، تجاه رياح التغيير والثورة. ما هو سبب تفويتنا رياح التغيير التي تعصف بالمنطقة؟ أعتقد أن عواملَ عدة حالت دون تحقيقناإنجازات على الأصعدة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية و في زمن بات فيه التغيير هو الثابت الوحيد.

أوّل الأسباب التي تمنعنا من النزول إلى الشارع وتعطيل البلاد، وذلك أساس أي ثورة ناجحة، هو أن نظامنا السياسي قد بنى لنفسه “تنفيساتٍ” لإخراج الغضب والإحباط عند الشعب. وقد أثبتت تلك الـ”تنفيسات” فاعليتها بجدارة. فمن شأنها التخلّصُ من المشاعر السلبيّة، الضرورية برأيي، والتي من شأنها إيهام المواطن بقدرته على التغيير. مثلٌ واضح للعيان هو انتخاباتنا “الديمقراطية”. فالفكرة الرائجة هي أن عمليتنا الإنتخابية نزيهة وعادلة، باعتبار أن الحق المتساوي بالترشح يعني فرصة عادلة للجميع. والحقيقة مغايرة لذلك بالطبع، فالعملية الإنتخابية تعاني من مشاكل جسيمة باعتراف الكثيرين. يتضح ذلك في عدّة قوانين وآليات انتخابيّة، منها عدم تحديد سقف للمال الإنتخابي و إعطاء أفضلية واضحة للمرشح الأكثر مالاً من خلال : التغطية الإعلامية، إدارة الحملة، تفعيل المكنة الإنتخابية…..

السبب الآخر، الأكثر أهمية برأيي، الذي يئد الثورة في مهدها هو غياب نظام حاكم واضح من لون واحد بحيث يستطيع المواطن توجيه الجهود ضده. وتعود جملة زياد الرحباني هنا إلى الذاكرة: ” لتعمل ثورة عالنظام لازم أول شي يكون في نظام”، والغياب هنا ليس بالمعنى المادي. فالنظام اللبناني يتكون من أشخاص موجودين جسدياً ولكنّ التأثير غائب. فهو نتيجة توافق بين اللبنانيين على هيكلية ضعيفة خلّفها الإستعمار  قام اللبنانيون بـ”تدوير زواياها” توافيقيّا. ورسا ذلك التوافق على منح كل طائفة بعضاً من مراكز الدولة. بذلك، رسّخ النظام الفروقات الطائفية والمناطقية فحمى نفسه من تكتلات شعبيّة جامعة ضده. في ظل هذا الوضع، لا تهاجم الطوائف، المراكز السلطويّة التابعة لها ولا تتقبل انتقادها  لا بل يصبح أيُّ مساس بها مساساً بالطائفة ككل. ولهذا يستهجن الكثير من المواطنين كيف قد يتضامن مواطن “من طائفتهم” مع مواطنين من غير طائفة بحيث يجمعهما قضيّة ضدّ “السياسيّ ابن الطائفة” وسياساته. فهم يعتبرونها وقوفاً ضد طائفتهم. لرؤية التأثير الحقيقي لهذا الواقع، علينا مقارنته مع المجتمعات الثائرة. ففي مصر، توحد معظم الشعب ضد النظام الحاكم الممثل بمبارك. وفي تونس ضد بن علي ومن كان يمثل، وهكذا دواليك… إذاً، يشكل الإنقسام الطائفي في مراكز الدولة سداً منيعاً أمام توحد الشعب ضد النظام.

أيضاً، يعدُّ غياب مشروع واضح بديل سبباً مهماً لعدم تأييد المواطنين أيَّ جهود للتغيير. يخاف الناس بطبيعتهم من المجهول. بمعنى أن شريحة ليست بصغيرة من المجتمع ترى واقع الحال أكثر أماناً من إزالة النظام والمخاطرة بإحلال نظام آخر أسوأ منه. ويُعمل على تزكية هذه الفكرة ليلاً نهاراً في بعض وسائل الإعلام وغيرها من الوسائل التي تؤثّر في الرأي العام. وتفيد الآلة الإعلاميّة أن البديل سيكون أسوأ، إما عبر تصوير القادم نظاماً إسلامياً منصهراً بأفكار قومية وأممية وإمّا القادم هو نظام متعام مع العدو الصهيوني وخاضع للولايات المتحدة. وفعلاً تأتي تلك الخطّة بثمارها. فيخاف اللبنانيون ويخوّنون أخصامهم السياسيين. وهكذا، عندما يأتي هذا التحرك التقدّمي المضاد للأفكار السائدة من دون خطة بديلة وواضحة ، يتبادر إلى ذهن الكثيرين تلك السيناريوهات المدمرة و ينفرون من أي تحرك على الأرض.

في الختام، يبقى لبنان في منأى عن التغييرات الحاصلة في المنطقة لأسباب عديدة، منها يقع على عاتق النظام ومنها يقع على عاتقنا نحن. وبالطبع يبقى تحديد بعض ملامح هذه الأسباب خطوةً لتخطّيها  وليس للإنتقاد العبثي. ومع أن وضعنا شديد الصعوبة، علينا المثابرة والكد للحاق ركب التغيير المارّ بجانبنا. وللعمل لجعل شعلة البوعزيزي منارة في هذا النفق المظلم الذي نمرّ فيه.

طلال النابلسي تلميذ سنة ثالثة هندسة ميكانيكية

عضو في بلا حدود منذ خريف ٢٠١١

يمكن متابعته على تويتر @revolt19

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s